ابو القاسم عبد الكريم القشيري
245
لطائف الإشارات
الأمر لم ينفعهم تضرعهم وبكاؤهم ، ولم تقبل منهم صدقتهم وفداؤهم ، وندموا حين لا ندامة ، وجزعوا بعد ما عدموا السلامة . ويقال : « وَاسْتَفْتَحُوا » : بغير الرسل ، ولما وجد الرسل إصرار قومهم سألوا النصرة عليهم من اللّه كقول نوح - عليه السلام : « رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً » ، وقول موسى عليه السلام : « رَبَّنَا اطْمِسْ عَلى أَمْوالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلى قُلُوبِهِمْ » « 1 » فأجابهم اللّه بإهلاكهم . ويقال إذا اشتد البلاء وصدق الدعاء قرب النّجاء . قوله جل ذكره : [ سورة إبراهيم ( 14 ) : الآيات 16 إلى 17 ] مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ ( 16 ) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ ( 17 ) لفظ « وراء » يقع على ما بين يديه وعلى ما خلف ، والوراء ما توارى عليك أي استتر ؛ يريد هذا الكافر يأتيه العذاب فيما بين يديه من الزمان ، وعلى ما خلفه ؛ أي لأجل ما سلف من الماضي من قبيح أفعاله ، ويسقى من النار ما يشربه جرعة بعد جرعة ، فلصعوبته ومرارته لا يشربه مرة واحدة . قوله جل ذكره : وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ يرى العذاب - من شدته - في كل عضو ، وفي كل وقت ، وفي كل مكان . وليس ذلك الموت ؛ لأنّ أهل النار لا يموتون ، ولكنه في الشدة كالموت . ثم « مِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ » : وهو الخلود في النار ، وهذا جزاء من اغترّ بأيام قلائل ساعدته المشيئة فيها ، وانخدع فلم يشعر بما يليها .
--> ( 1 ) الآية 88 سورة يونس .